_السفير السوري في واشنطن : تهديدات خطيرة، نفي شائعات اعتقالات في سورية، واستبشار بإيجابيات في الكونغرس  _

زهير العمادي : (كلنا شركاء )  واشنطن 13-4-2008

 

 رغم تأكيده  أن هذا " ليس  وقت تبادل الإنتقادات والخوض في الخلافات العربية ـ العربية بوجود إحدى أعتى الهجمات التاريخية على المنطقة"، إلا أن عماد مصطفى ، السفير السوري في واشنطن ، وفي لقاء عقده في السفارة السورية مع مجموعة من المراسلين والصحفيين العرب في العاصمة الأمريكية نهاية هذا الأسبوع، بدا  أكثر حماسا للخروج عن تحفظ دمشق الذي يغدو باضطراد مفرطا  في التمسك بهدوء دبلوماسي  ترى دمشق حاجة إليه كدولة ترئس القمة العربية على مدى العام القادم، فيما يستغل مناوئيها وإعلام " المعتدلين" و المرتبطين بالخارج من "المعارضين السياسيين"  هذا الصمت   " المؤدّب"  لتكثيف مزيد من الجهود لترويج إشاعات ، تتراوح بين الحديث عن "اعتقال لكبير مسؤولي المخابرات السورية ( آصف شوكت )" ، و ادعاءات لوجود " مسار مفاوضات سلام سري ناشط مع إسرائيل" ، إضافة لتحميلها – دون أية مسؤولية ـ  مسؤولية فشل اللبنانيين في التوصل لتوافق على رئيس لهم ، واستمرار نظام سياسي طائفي لبناني بالي، ما لبث يقود لتراجعات سياسية وإجتماعية وحضارية لمكانة لبنان كوطن، وللعديد من زعاماته ،  كشخصيات عاجزة عن التوافق معا لإنقاذ وطن أنهكته الأزمات ، و استبدال ذلك بجهد يوظف انقسامات سياسية وطائفية للمكاسب والسطوة تتنكر لآمال السابقين من آباء وأجداد ساسيين ، أحبوا الوطن منارة بين المتوسطيين ، و لحنا جميلا حمله صوت فيروز طيلة أجيال  على ألسنة أهل الضاد من مسلمين ومسيحيين.

فيما التوتر على أشده في المنطقة و القادة الإسرائيليون يلملمون أطراف قواتهم المنهية للتو أكبر مناورات عسكرية في الجولان وبمقربة الحدود مع لبنان، ومع تواصل التصريحات المتشددة الصادرة عن واشنطن والمعلقة بالمنطقة،   أكد السفير ( مصطفى)  أن تلك المناورات إنما هدفت للتهويل بمقدرات إسرائيل ومخاطبة الرأي العام الإسرائيلي ، لكنه استطرد بالتأكيد على أن " الوضع اليوم  في منتهى الخطورة ، و الحملة التي تتعرض لها  اليوم من أعتى الحملات التي تعرضت لها المنطقة هي الأشد منذ حصول سورية على الإستقلال .  إن المستهدف هو إسقاط سورية ، من قبيل ألمّ ويلمّ الآن في كل من العراق و لبنان وفلسطين بقيادة كل من  إسرائيل والولايات المتحدة " و" بمساعدة مواقف من بعض الدول العربية والفئات التي " تجعل من  نفسها رأس حربة لهذه الحملة ضد سورية ، و تتبنى بإخلاص الأهداف نفسها لـمشروع  إليوت إبرامز"، أحد أكبر عتاة الصهاينة في إدارة بوش ومسؤول الأمن القومي في البيت الأبيض،  من أجل إحداث تغييرات  تسعى إليها إدارة بوش في الشرق الأوسط .  

قال السفير ( مصطفى )  إن "مجموعات صهيونية"  هي التي تقف وراء ترويج  ما ينشره بعض الإعلام العربي والمعارض عن اعتقالات في أوساط كبار ضباط الجيش أو الأستخبارات السورية وإدراج إسم السيد ( آصف شوكت) وقال " إننا نرى إعلام بعض الدول العربية وهو يروّج لنشر مثل هذه الشائعات في توافق بين مساعيه ومساعي  مستشار الأمن القومي الأمريكي "إليوت إبرامز" . 

في إعطائه صبغة تاريخية لحدوث مثل هذا التعاون في حقب تعرضت إليها المنطقة العربية أثناء حملات خارجية عليها في الماضي، أشار السفير مصطفى لحالة الإنقسام الذي تشهدها الساحة العربية بين من يوصفون بـ "الدول المعتدلة" الأكثر تقاربا مع الغرب ،  و " الدول المتشددة" التي تمارس الضغوط عليها ، وقال إن ما نشهده اليوم هو " من الأمور التي ليست جديدة علينا، هذا إذا ما عدنا إلى تاريخ الحروب الصليبية وتعاون ولاية هنا وأخرى هناك مع الفرنجة ضد إخوانهم العرب ، الذين كانوا يقفون  ضد هيمنة الصليبيين  في المنطقة، وليصل مصير هؤلاء في النهاية لتخلص المماليك منهم إثر اندثار الحملة الصليبية".  

بظل قرار كل من مصر والسعودية والأردن تخفيض مستوى تمثيلهم في القمة العربية التي انعقدت في دمشق وقرار حكومة السنيورة في لبنان التغيب الكامل عنها بحجة أن سورية لم تقدم جهودا كافية لتحقيق انتخاب اللبنانيين لرئيسهم الجديد، أو لأنها لا تقبل الآن بإنشاء علاقات دبلوماسية مع لبنان، فإنه لمن الجلي لكل متابع،  ذلك الرفض الذي عبّرت عنه أغلبية الشارع العربي للتعليلات التي قدمتها هذه الدول في تبريرات مواقفها الغير عادية لا من قمة دمشق فحسب ، بل حيال أية قمة عربية تعقد في أي مكان ، وفي زمن يقف فيها مصير شعوبها عند أحد أهم المفاصل التاريخية للأمة.

لم يشأ السفير السوري في واشنطن التعليق مباشرة على سؤال حول قلق الشارع العربي من احتمالات عدوان إسرائيلي على سورية وماهية المواقف المتوقعة من كل من مصر والسعودية تجاه هكذا عدوان خاصة في ضوء موقفي البلدين السابق الذي لم يناهض بحزم عدوان إسرائيل الأخير صيف عام 2006 ضد لبنان.

لكنه في إجابته على سوْال  حول جهود الوساطة العربية التي تبذلها كل من الجزائر والكويت بين سورية وكل من الدولتين،  أكد السفير مصطفى " إننا لم نسمع ممن تغيبوا عن حضور قمة دمشق أية مواقف تتناقض مع مواقف الذين كانوا حاضرين فيها" كما أكد من ناحية أخرى أن سورية " لن تقبل إطلاقا جرها إلى سلام يستهدف ضرب إخواننا الفلسطينيين والمقاومين ، ونحن نرفض تماما الخوض في أية مفاوضات سرية مع الإسرائيليين". 

 في حين أن أحدا لا ينكر على مصر اهتمامها الإستراتيجي بما يجري للسودان أو في السودان، ولا ينكر على السعودية اهتمامها بما يجري في اليمن أو لليمن، ولا ينكر على دول أخرى جرصها على أمنها الإستراتيجي عبر حرصها على مجريات تحدث في البلدان المجاورة لها، فإن سورية ،  وبحسب ما كان أكده الرئيس السوري بشار الأسد ، وكرره  السفير السوري في لقائه الصحفي هذا،  تساءل عن كيفية أن تقوم حكومة ما بالعمل على إنشاء أول علاقات دبلوماسية مع دولة أخرى فيما تقوم تلك الدولة بتوجيه السباب والشتائم إليها ليل نهار! وقال إنه لا مطالب لسورية تتعلق بسيادة لبنان واستقلاله وبإن علاقات سورية تقوم على حقيقة وجود "مصالح أمن استراتيجية  تتعلق بمصيرنا، ونجن لا يمكننا القبول بأن يكون لبنان رأس حربة لـمخططات ( إليوت إبرامز)" .

أضاف  أن هناك فريق لبناني ذو علاقة وطيدة مع سورية ، لكنه بنفس الحين ليس هو بالدمية لها وإنما له دوره في اللعبة السياسية اللبنانية، كما أن هناك فريق آخر ( التيار الوطني الحر) الذي يرئسه السيد ( ميشيل عون) الذي يعلن أنه لا يعادي سورية بعد سحبها لجيشها من لبنان. وأشار إن  "هذا التيار لم يتحدث معنا سابقا ولا يتحدث معنا الآن، ولا توجد أية أقنية بيننا وبينه اليوم ".  

 كشف عن حديث دار بينه وبين موظف كبير بوزارة الخارجية الأمريكية عبّر فيه الآخير عن خيبة أمله من مواقف إدارة بوش من سورية بعد التفاؤل الذي كان قد ساد إثر لقاء أنابوليس،  وقال سفير سورية في واشنطن أن ما يراه في الأِشهر القليلة القادمة أنها ستكون الأخطر على الإطلاق حيال منطقتنا  قبل مغادرة الرئيس بوش البيت الأبيض، أشار  أن  من بين ما يشهد  على ذلك  شهادة مساعد وزيرة الخارجية الأمريكي ( نيكولاس بيرنز ) أمام الكونغرس حول سورية قبل بعضة أشهر، حيث أكد ( برنز)  وجود برامج سرية لزعزعة الإستقرار في سورية تستند إلى عوامل وجهود سياسية واقتصادية وإعلامية،  وتشجيع وتمويل أمريكي لفئات معارضة سورية. 

العامل الأكثر استبشارا في حديث السفير ( عماد مصطفى ) الصحفي ، هو ما أشار إليه من وجود تيار يظهر إرادة في الكونغرس في تعبيره عن رغبة أعداد متزايدة من أعضائه في إقامة علاقة أكثر إيجابية بين  الولايات المتحدة وسورية عبر الإنخراط معها ، وذلك بدافع حاجة الولايات المتحدة لإنخراط سياسي ودبلوماسي مع الدول المجاورة للعراق.

أشار إلى ما تواجهه النائبة الصهيونية المعروفة بعدائها السافر لسورية ( ليليان روز ليهتنان)،  من صعوبات جديدة غير معهودة في محاولتها الحصول على دعم لمشروع قرار جديد تسعى إليه ضد سورية. طرح السفير على الصحفيين وثائق مسودة مشاريع قوانين تعمل على تحقيق انخراط أمريكي مع سورية ما لبثت ثلاثة منها  تحصل على دعم متزايد  ، أحدها يحمل عنوان ( Engage Syria Act ) الذي يتبناه  ثلاث وستون نائبا . 

فيما يتأرجح مصير السلام والحرب في الشرق الأوسط على الحبل المشدود لما تبقى من رئاسة جورج بوش في الأبيض حتى نهاية العام، وتتقاذف هذا المصير احتمالات من نوع آخر تتعلق بانتخايات رئاسية تمتطي رياح حملات المرشحين الرئاسيين: الجمهوري جون ماكين ، والديموقراطيين: هيلاري كلينتون وباراك أوباما، فقد  كشـــف السفير ( مصطفى) أنه  وللمرة الأولى منذ قدومه إلى واشنطن قبل خمس سنوات، فاجأه إلى حد كبير  قيام السناتور جوزيف ليبرمان مؤخرا، وهو أحد أكثر المقربين من المرشح الرئاسي ماكين، توجهه في أحد الصالونات متقدما من طاولة السفير السوري الذي كان يشاركه فيها سفراء آخرون،  ماذّا  ذراعه إليه مصافحا بمودة  ، ردّ عليها السفير بتحذير السناتور ليبرمان بلباقة تطلبها الموقف : هل أنت مدرك لمن تمد يدك بالمصافحة ؟ إني أنا السفير السوري في واشنطنّ!

قال السناتور الأمريكي  : بالطبع  إني أعرف أنك أنت السفير السوري. إن هذا ما يجعلني أتقدم لمصافحتك.

 

بعد تبادل الإثنان بضع كلمات ، قال السفير السوري للسناتور: " كم كنت أود أن ينعكس هذا "الموقف الودّي منك عبر في الكونغرس وخارج قاعاته".

في رد يثير العجب ، بمثل ما يثيره من تساؤلات حيال مرامي سيناتور معروف بتشدد مواقفه ضد سورية ، أجاب السناتور ليبرمان السفير مصطفى بالقول "  إن هذا ما أقوم  بفعله"! ..