رجال من شرطة مكافحة الشغب يطوقون محتجين في مقر نقابة المحامين بالقاهرة أمس. (أ ب)

القاهرة - من جمال فهمي:

نفذت الحكومة المصرية أمس التحذيرات والتهديدات الصارمة التي وجهتها وكررتها طوال يوم السبت عبر وسائل الاعلام الحكومية بانها ستتصدى بالقوة وبـ"اجراءات حازمة وفورية" لدعوة لا سابق لها الى "عصيان مدني" رمزي ليوم واحد يتخلله اضراب شامل عن العمل والدراسة في كل ارجاء البلاد، احتجاجا على موجات الغلاء القياسي والتردي الشديد للأحوال المعيشية لغالبية السكان.

وقد استيقظ المصريون صباح الاحد، في العاصمة كما في المحافظات الاخرى، على مشهد بدت فيه الشوارع والميادين والساحات العامة تغص بالالاف من رجال الشرطة وعناصر تابعة لشتى الاجهزة الامنية، ومع ذلك، وعلى رغم تأكيد مصادر في وزارة الداخلية ان الوزارة حشدت للمهمة اكثر من 750 الف رجل وضابط، فان اليوم لم يمر كما كانت تتمنى الحكومة اذ حققت الدعوة الى الاضراب، التي لم يعرف المجتمع المصري مثيلا لها منذ ثورة عام 1919، نجاحا جزئيا تجسدت اقوى مظاهرة في خلو الشوارع والطرق من المارة والسيارات وتخلص القاهرة، موقتا، من زحامها الخانق والمزمن.

وتحالفت مشاعر الخوف من التحذيرات والاستنفار الامني النادر مع مشاعر التعاطف الشعبي مع الاضراب لابقاء ملايين المواطنين في منازلهم بعدما وجدوا في ذلك وسيلة آمنة للاستجابة للدعوة الى "العصيان"، التي انتشرت بكثافة الاسبوع الماضي عبر وسائل الاتصال الحديثة وخصوصا شبكة المعلومات الدولية (الانترنت) وموقع "فايس بوك"ورسائل الهواتف المحمولة.

وتجلى أثر الاضراب واضحا في المدارس والجامعات التي سجلت نسبة الحضور فيها هبوطاً كبيراً، مما اثر على انتظام الدراسة في أكثر الجامعات وفي عدد كبير من المدارس، التي اضطرت الى اقفال ابوابها نظراً الى تغيب الطلاب والمدرسين على رغم التنبيهات الصارمة التي اصدرتها السبت وزارة التعليم بضرورة ابقاء سير العملية التعليمية طبيعياً.

وتحايلت اعداد كبيرة من موظفي الحكومة على تحذيرات المسؤولين من الغياب بالحصول على الاجازات الطارئة التي يسمح بها القانون.

كما انعكس المناخ المضطرب الذي ساد البلاد على البورصة المصرية، فسجلت المعاملات فيها انخفاضا حادا بلغت نسبته ما يقرب من 40 في المئة قياسا على حجم المعاملات خلال الاسابيع الاخيرة، وهبطت قيمة عمليات التداول الى 1,2 مليار جنيه، بينما كان متوسطها يجاوز الملياري جنيه الاسبوع الماضي.

وتحدى آلاف من الناشطين في القاهرة والاسكندرية ومدن اخرى الحشود والاطواق الامنية المكثفة وحاولوا التجمع في بعض الاماكن التي كانت الحركة المصرية من اجل التغيير "كفاية" وعدد من الناشطين حددوها للتظاهر وتنظيم وقفات احتجاجية، غير ان الشرطة فرقتهم بالقوة وقبضت القبض على المئات منهم.

وكانت اجهزة الامن بدأت منذ مساء السبت حملة توقيف واعتقال شملت عشرات من الناشطين والسياسيين وعدد من المدونين "بلوغرز" الذين استخدموا مواقعهم على الشبكة الدولية لنشر الدعوة الى الاضراب، كما فرضت الشرطة طوقا امنيا حول مكاتب المحطات الفضائية العربية والاجنبية المعتمدة في القاهرة واوقفت في الصباح سبعة طواقم تصوير بينما كانت تهم بمغادرة مكاتبها لتغطية عمليات الاحتجاج.

وحولت حشود ضخمة من الشرطة مدينة المحلة الكبرى الصناعية، التي انطلقت منها شرارة الدعوة الى الاضراب العام، ثكنة عسكرية وفرضت حصارا محكما على كل مداخل المدينة، التي تضم اكبر مصانع الغزل والنسيج في مصر ويقطنها عشرات الآلاف من العاملين فيها. ولم تكتف الشرطة بالحضور المكثف في الشوارع والميادين بل انتشرت حول المصانع وداخلها واجبرت عمال فترة العمل الصباحية على تشغيل الآلات. لكن آلافاً من العمال واسرهم تجمعوا بعد الظهر امام بوابات المصانع واشتبكوا في صدامات عنيفة، استمرت حتى المساء، مع قوات الشرطة واسفرت عن سقوط اكثر من 200 جريح من الجانبين بعضهم في حال الخطر.

وكان العامان الماضيان شهدا مظاهر احتقان اجتماعي شديد عزته قوى المعارضة وأحزابها الى ما اعتبرته سياسات اقتصادية "متهورة تحابي الاغنياء على حساب الفقراء" تراكمت اثارها في ظل حكم الرئيس حسني مبارك وازدادت هذه الاثار حدة في الاعوام الخمسة الاخيرة بعد صعود نجم نجله جمال وتضخم نفوذه في قمة هرم السلطة والحزب الوطني الحاكم الذي صارت تهيمن على قيادته حاليا مجموعة ضيقة من الاثرياء ورجال الاعمال تحلقوا حول مبارك الابن وتولى الكثير منهم حقائب وزارية ذات علاقة بالنشاطات التجارية التي يمارسونها.

وظهر هذا الاحتقان في مئات من الاضرابات والتحركات الاحتجاجية التي تفجرت في العامين الاخيرين وشارك فيها عمال وموظفون حكوميون واطباء واساتذة جامعات تركزت مطالبهم جميعها على ضرورة سد الفجوة الواسعة والمتزايدة بين اجورهم المتدنية واسعار السلع والخدمات التي لم تكف عن القفز الى مستويات قياسية، حتى ان برنامج الغذاء العالمي، اكد في تقرير اصدره قبل اسبوعين ان حجم انفاق الاسرة المصرية على السلع الغذائية وحدها ارتفع بنسبة 50 في المئة خلال الأشهر الثلاثة الاخيرة فقط.

وكان الرئيس المصري اضطر في نهاية الشهر الماضي الى التدخل علناً لمنع انفجار الغضب الشعبي على خلفية ازمة طاحنة في الخبز المدعوم واستعان بالقوات المسلحة للمساهمة في توفير الخبز في الاسواق، كما دأبت الصحف ووسائل الاعلام الحكومية في الأسبوعين الأخيرين على ابراز تصريحات شبه يومية لمبارك، يؤكد فيها، عكس تصريحات سابقة لرئيس الوزراء احمد نظيف، عدم وجود اية نية لخفض الدعم الحكومي الموجه للسلع الضرورية ويعد بضبط الأسواق ورفع الاجور بنسبة تزيد عن 20 في المئة.