سانا
تشهد اوضاع العراقيين المتردية بعد خمس سنوات من غزو بلدهم على مدى دقة تطبيق استراتيجية الفوضى التى يروجها مناصرو الإدارة الأمريكية وعلى مدى الدمار والخراب الذى خلفه هذا الغزو على العراق البلد العربى العريق والمتجذر بالتاريخ والحضارة.
ففى مثل هذا اليوم من عام 2003 بدأت الطائرات الأمريكية وحليفتها البريطانية اطلاق قذائفها على المدن والبلدات العراقية معلنة بدء الغزو الانكلو امريكى للعراق تحت مسميات وذرائع عديدة اثبتت مجريات الاحداث والوقائع كذبها وزيفها وأن الهدف الحقيقى والرئيس من هذه الحرب هو الهيمنة على منابع النفط اولا والمنطقة ثانيا لضمان المصالح الأمريكية ومصالح ربيبتها اسرائيل.
كما برهنت مجريات الاحداث والوقائع على ان ادعاءات الإدارة الأمريكية لغزو العراق سواء ما يتعلق باسلحة الدمار الشامل او الديمقراطية المزعومة او ما يسمى مكافحة الارهاب كانت مجرد مزاعم وهمية لغزو العراق واحتلاله ويدلل على ذلك اعتراف وزير الخارجية الامريكى انذاك كولن باول بأنه فبرك الاتهامات التى ساقها خلال جلسة خاصة لمجلس الامن الدولى لتبرير غزو العراق قبل بدء هذا الغزو.
ورغم الاحتجاجات الشعبية الأمريكية والعالمية ضد الحرب على العراق والمنددة بها والداعية الى انسحاب قوات الاحتلال وترك العراقيين يديرون شؤون بلدهم بأنفسهم بعد تدهور اوضاعهم الانسانية والامنية استمر الرئيس الامريكى جورج بوش باطلاق التصريحات اللامنطقية واللاواقعية عبر حديثه عن تحقيق الانتصار عند اعلانه انتهاء العمليات العسكرية فى التاسع من نيسان عام 2003 واصراره على التمسك بهذا المصطلح حتى الامس حين تحدث فى البنتاغون عما سماه الانتصار الكبير وأصر على بقاء جنوده فى العراق ورفض الدعوات الأمريكية والدولية للانسحاب.
وكانت تصريحات بوش أمس التى تحدث فيها عن نجاح قواته فى العراق محل سخرية الرأى العام العراقى والدولى حيث اكدت اراء شعبية عراقية كثيرة فشل القوات الأمريكية فى العراق ورجح مواطنون عراقيون ان يكون الرئيس الامريكى يبث الاوهام وكأنه لا يعلم مدى الدمار الذى خلفه الغزو الامريكى على العراق ولا مدى الخسائر المادية والبشرية التى فاقت كل تصور.
وفى أصدق تعبير على هذه المأساة قال أحد المواطنين العراقيين وهو صاحب محل بيع فى حى الزيونة وسط بغداد فى تصريحات اعلامية اليوم ان الامريكيين لم يجلبوا الى بلدنا سوى الارهاب والقتل اليومى فى الشوارع الذى اضحى وأمسى فى كل ارجاء العراق.
كما أدت الحرب الأمريكية على العراق الى مقتل أكثر من مليون ومئتى الف عراقى وتهجير أكثر من اربعة ملايين أخرين اضافة الى نزوح اربعة ملايين عراقى داخل العراق وذلك فى ثانى أبشع عملية تهجير عرفتها البشرية بعد التهجير الذى عاناه الفلسطينيون عام 1948.
كما أدى الغزو الامريكى للعراق الى تدمير مستقبل العراق باغتيال علمائه وحرق المجلدات العلمية فى مراكز الابحاث التى تشكل خلاصة الابحاث العلمية وشكل استهداف العلماء العراقيين جزءا من الاستراتيجية المسماة الفوضى المنظمة التى يروجها الاختصاصيون الامريكيون ويكفى ان ندلل على ذلك ان العراق فقد منذ الغزو الانكلو امريكى حوالى 5500 عالم عظمهم هاجروا الى شرق اسيا وشرق اوروبا والباقى تم اغتياله.
وتؤكد الاحصاءات العراقية والدولية أن80 بالمئة من عمليات الاغتيال استهدفت العاملين فى الجامعات ويحمل اكثر من نصف القتلى لقب استاذ واستاذ مساعد وأكثر من نصف الاغتيالات وقعت فى جامعة بغداد تلتها البصرة ثم الموصل والجامعة المستنصرية و20 بالمئة من العلماء المغتالين يحملون شهادات الدكتوراه وثلثهم مختص بالعلوم والطب.
ويقول العالم العراقى الدكتور نور الدين الربيعى الامين العام لاتحاد المجالس النوعية للابحاث العلمية رئيس اكاديمية البحث وأحد أبرز العلماء العراقيين فى مجال التكنولوجيا النووية.. ان التقدم التقنى للعراق كان من أهم أسباب الغزو الامريكى للعراق.
وأضاف الربيعى.. حينما جاءت امريكا وبريطانيا كان اول شىء هو ضرب المؤسسات العلمية والبحثية والمدارس والجامعات واحراق المكتبات والتراث العراقى الذى اصابه النهب والسلب.
وأكد الربيعى ان الامريكيين اعادوا العراق الى عصور ما قبل الوسطى عبر تدميره ونشر الفوضى فيه كما فعل هولاكو عندما مزج جيشه مياه دجلة بالوان الورق والدم والمداد.
كما يعانى العراقيون اوضاعا صحية سيئة حيث تشير الاحصاءات الدولية الى أن 28 بالمئة من اطفال العراقيين يعانون من سؤ التغذية و10 بالمئة منهم من أمراض مزمنة بينما تنجب أغلبية النساء أولادهن بلاعناية صحية كما تعانى المنشات الصحية من نقص حاد فى المعدات والموظفين.
وتشهد البنى التحتية العراقية تدهورا حادا نتيجة هذا الاحتلال اذ ان مليارات الدولارات ضاعت اما سرقة واما انفاقا بشكل غير مجد بحجة اعادة الاعمار واشارت تقارير دولية الى ان ما يقرب من ثمانية ملايين عامل عراقى يعيشون تحت خط الفقر كما تجاوز حجم البطالة 60 بالمئة من مجموع القوى العاملة.
وعلى صعيد الخسائر المادية الأمريكية جراء هذه الحرب فقد كشف الخبير الاقتصادى والحائز جائزة نوبل جوزيف ستجليتز فى دراسة جديدة أن تكلفة الحرب الأمريكية على العراق بلغت 3 تريليونات دولار امريكى خلافا لما كان مروجا من جانب الإدارة الأمريكية بأن تكون هذه الحرب سريعة ومنخفضة التكاليف حيث لاتزال بعد خمس سنوات من الحرب قوات امريكية قوامها 160 الف جندى موجودة فى العراق.
وتهكم ستجليتز فى كتاب نشره حول هذه التكاليف قائلا اننا دولة غنية ويمكننا بشكل ما تغطية تلك التكاليف ولن تؤدى بنا الى الافلاس انها حرب الثلاثة تريليونات دولار مؤكدا ان هذه الحرب اسهمت باضعاف الاقتصاد الامريكى من خلال تثبيت عدم الاستقرار الذى ادى الى زيادة اسعار النفط وتسجيلها أرقاما قياسية.
وقال ستجليتز ساخرا ان افضل طريقة هى أن نسال انفسنا ماذا فعلنا بهذه التريليونات من الدولارات وماهى افضل طريقة لانفاق المال... هل هى الامن أم تلبية اجتياجاتنا الوطنية على المدى البعيد.
وفيما يتصل بالخسائر البشرية الأمريكية تشير التقارير الرسمية الأمريكية الى تجاوز عدد قتلى الجنود الامريكيين الاربعة الاف جندى معظمهم سقطوا بعمليات مناهضة للاحتلال الا أن الحقائق والوقائع تؤكد أن الرقم الحقيقى يتجاوز هذا الرقم بكثير.
كما يعانى الجنود الامريكيون فى العراق من حالات عصبية وهستيرية ونفسية معقدة ما ادى الى ارتفاع معدلات الانتحار بينهم ووصلت ذروتها العام الماضى الذى شهد أكثر من 105 حالات انتحار لجنود واكثر من1200حالة ايذاء جسدى.
وكشف تقرير حديث ان العام الجارى شهد حتى الان 85 حالة انتحار على الاقل بينما قال تقرير اخر.. ان معدلات الانتحار فى صفوف الجنود الامريكيين العائدين من العراق فى ارتفاع مطرد ما دفع الجيش الامريكى الى اخضاع الالاف من جنوده الذين سيتوجهون الى العراق الى اختبارات عقلية خاصة.


