بسمة قضماني - مبادرة الإصلاح العربي
يعتبر هذا الاجتماع هو الثالث من سلسلة اللقاءات المتعلقة بمشروع إصلاح القطاع الأمني في الدول العربية. وقد عقد في الرباط بالتعاون بين مبادرة الإصلاح العربي و ومركز الدراسات والبحوث في العلوم الاجتماعية المغربي. ولقد جرى التركيز في جزء كبير منه على الحالة المغربية، فضلا عن مناقشة اليمن وفلسطين و الحالة الإشكالية في الجزائر وكذلك، تم في ختامه، مناقشة الدراسات المقارنة المقترحة للمرحلة القادمة . كما كانت الحال عليه في القاهرة وفي بيروت، فقد تجاوز الاجتماع توقعاتنا من حيث عدد ومستوى الحضور الذين كانوا من كبار ممثلي القطاع الأمني المغربي، وممثلي أهم منظمات المجتمع المدني المغربي. وقد سجلت مشاركة نشطة في المناقشات من قبل أعضاء فريق العمل من الدول العربية العضوة في المشروع. وكان واضحاً سعيهم إلى الخوض في التفاصيل والتعلم من الحالة المغربية الملهمة. إن مشاركة مندوبين عن القطاع الأمني تمت بتسهيل وبرضى كامل من قبل قياداتهم.
المغرب
تركزت المناقشات بشكل أساسي على الظروف السياسية والمؤسساتية لإجراء الإصلاح في القطاع الأمني بشكل فعّال. ولقد تم خلالها التطرق بشكل بسيط ويكاد لا يذكر إلى الجوانب التقنية لإصلاح قطاع الأمن. وبالمقابل، فإن الحضور القوي لممثلين عن المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان ووسائل الإعلام والباحثين والمشاركة المتميزة من قبل ممثلين عن القطاع نفسه، قد سمح بمناقشة مستفيضة للعقبات الرئيسية للإصلاح، ما تم تحقيقه منها حتى الآن، والأسباب الكامنة وراء التقدم المحرز في بعض المناطق، والفاعلين الرئيسيين المنخرطين في العملية والمسار الذي من خلاله تم تحقيق نجاح في دفع جدول الأعمال إلى الأمام، وأوجه القصور في العملية، ومسألة ما يمكن أن ينفذ من إصلاحات في القطاع من دون أن يتوسع نطاق الاصلاحات على النظام السياسي ككل.
لقد تعرض المغرب لتوترات كبيرة في الماضي والتي أثرت على الممارسات في القطاع الأمني. وقد تصدت المؤسسات الأمنية لهذه التوترات وتغلبت على التحديات. وما زالت تشكل رمزاً لقوة الدولة عندما يسود عدم الاستقرار. الرؤية الرسمية في المغرب اليوم هو ان البلاد لم تشهد إرهاباً دينياً نظرا لأسباب موضوعية مثل بنية السلطة، وتواجد حركات دينية معتدلة.
نقطة الانطلاق لإصلاح القطاع الأمني كانت مختلفة في المغرب عن دول عربية أخرى. المغرب لا يعتبر من فئة البلدان التي تعيش حالة من عدم الاستقرار /أو ما بعد الصراع. ولقد حدث انفتاح القطاع تدريجيا مترافقاً مع مؤشرات حاسمة : الحادي عشر من أيلول / سبتمبر 2001 كان أحدها، وهيئة الإنصاف والمصالحة كان المؤشر الآخر وكذلك المناخ العام للانفتاح. وقد انعكس هذا على قطاع الأمن. إذاً فإن الحادي عشر من أيلول / سبتمبر ولا سيما تشكيل هيئة الإنصاف والمصالحة وما صدر عنها من توصيات، لعبت الدور الحاسم في اطلاق عملية مسار إصلاح القطاع الأمني.
لقد تصدع الجدار المحيط بالقطاع الأمني بناء على مبادرة من الملك ومن النخبة الحاكمة. والقليل جداً كان يمكن أن يتحقق لو لم يكن هناك إرادة عليا. فالمجتمع المدني لا يمكن ان يذهب بعيدا في الضغط على الدولة. إن لم يكن لفتح محفوظات الأجهزة الأمنية المختلفة، فإن المجتمع المدني يستحوذ على القليل من الإمكانيات للذهاب أبعد في ذلك.
1 ـ مشاكل القطاع الأمني
هناك ملامح مشتركة لقطاع الأمن التي تنطبق في جميع أنحاء العالم العربي وهي : عملية فهم مكانة ودور القطاع الامني في مجمل نظام الحكم هو السؤال الذي يحتاج نقاشا جادا وتسليط الضوء عليه. هيكل القطاع : حيث أن عمل الاستخبارات العسكرية يقتصر على التهديدات الخارجية والكوارث الطبيعية. وهناك جهتان مختلفتان لصنع القرار تنبثقان عن جهازين أمنيين رئيسيين. ولكن ليس هناك معلومات تنشر أو خريطة توضيحية لهيكل القطاع الأمني. هذا يعني إبقاء "المربع الملكي" بعيداً عن أعين الرأي العام والمؤسسات الحكومية. وعادة، تعتبر وزارة الداخلية هي آخر من يعلم فيما يتعلق بآخر التغييرات داخل الأجهزة الأمنية. إن الهياكل التقليدية للقيادة (البلاط والمخزن) والمؤسسة الحديثة التي تم إنشاؤها على الطراز الفرنسي تتعايشان فيما بينها.
يلاحظ المجتمع المدني في المغرب كما في أماكن أخرى في المنطقة، بأن القطاع الأمني محاط بهالة من القداسة وهو بمنأى عن رقابة الجمهور والنظام السياسي الرسمي. مسألة ما ينبغي أن يكون سريا وما ينبغي أن يكون متاحاً معرفته ليست مقننة. ليست هناك حدود واضحة، ومن دونها، لا يوجد أية إمكانية لإدخال معايير الشفافية أو إخضاع القطاع الأمني إلى الملاحقة القانونية. النصوص التي تقنن ممارسات الاستخبارات المدنية والعسكرية كلها تتلخص في ستة بنود فقط، مما يدل على المستوى الضعيف لتنظيم هذا القطاع القوي.
ويعترف ممثلون عن القطاع الأمني بأن الصراعات الداخلية وطموحات البعض تؤثر بامتياز في المؤسسات الأمنية وتلعب دورا في عرقلة حسن سير الأجهزة الأمنية. لدى المغرب تصور ملكي للأمن، أي أن المبرر الأساسي لوجود الأجهزة الأمنية هو لحماية المؤسسة الملكية. والقطاع لا يزال أداة ملكية سيادية. وكما هو الحال في معظم الدول العربية، فهو يحمي النظام، والقادة وممتلكاتهم وامتيازاتهم. والسياسة تتبع الأمن وليس العكس. ويعرّف القطاع الأمني نفسه بأنه "حامي الوطن" ولكن يظل هذا المفهوم غامض جدا. فمن الضروري التمييز وتجنب الدمج بين الأمن كمصلحة عامة ، وقطاع الأمن كمؤسسة.
إصلاح القطاع الأمني هو جزء من النضال من أجل إدخال سيادة القانون باعتبارها آلية لتنظيم العلاقات بين الدولة والمواطنين وغرس فكرة أن دور القطاع الأمني هو لحماية حقوق المواطنين وحماية سيادة القانون.
هناك مناقشات حامية حول العلاقات بين قطاع الأمن والسلطة القضائية واشتباكات متكررة بين أجهزة الأمن والصحافة والقضاء. وتظهر استطلاعات الرأي أن الإفلات من العقاب هو السبب الرئيسي وراء استمرار انتهاكات حقوق الإنسان وغيرها من الانتهاكات. وهناك خطة لمنع الإفلات من العقوبة. وأخيرا، فإن الميزانية المخصصة لقطاع الأمن لا تعتبر من قبل الحكومة باعتبارها موضوعا للنقاش أو المساءلة في البرلمان، بل يجري التصويت عليها بالاجماع دون أي أسئلة.
السبب الرئيسي وراء تسييس عمل القطاع الأمني هو عدم وجود إجابات سياسية صريحة لمخاوف المجتمع ومتطلباته، مما أدى إلى إصباغ الطابع الأمني على الحياة المدنية. وبقدر ما تضعف الإدارة السياسية للمشاكل، تتضاعف أعباء القطاع الأمني في التصدي لها، مما يزيد بدوره من الانتهاكات هذا القطاع. وقد لجأت الحكومة للغموض بشأن الحوادث الرئيسية التي تتعلق بالجانب الأمني، وسيظل ذلك قائماً ما دامت تحمل شعوراً بأن هناك أسباب واضحة لأن تكون مستهدفة من أعمال العنف. إن القطاع الأمني لديه ديناميكيته الداخلية الخاصة به وهو يعتبر فاعلاً أساسياً ضمن المنظومة، وليس فقط الذراع القسري للسلطة.
إحدى المشاكل تتمثل في ضعف القدرات التحليلية داخل الاجهزة الامنية. ففئات من "الجماعات الخطيرة" تم تعريفها بطريقة شمولية. هناك سوء فهم فيما يخص الفئات التي تشكل خطرا وتحديد هويتها بدقة. مما يؤدي بالتالي إلى الحفاظ على المناطق الرمادية في عقول العاملين في الأمن. ثقافة السرية لا تزال سائدة في عصر حيث لا شيء يبقى سرا. هناك نقص في التنسيق في الأنشطة ونقص في المعلومات وضعف في إدارة الموارد. وأخيرا وليس آخرا، هناك مسألة المصداقية في العلاقات بين قوات الأمن والمجتمع نتيجة لارتباطات وممارسات مشكوك فيها. وأحد الأمثلة على ذلك هو أن أحد لوردات المخدرات موّل ترميم مركز للشرطة في مدينة طنجة.
على الرغم من حيوية النقاش العام، فإن قضية المرأة لا تناقش. وهناك أطر نسوية دخلت قطاع الأمن بأعداد كبيرة منذ مطلع التسعينات. و هناك منظمة لديها كل البيانات المتعلقة بالعنف ضد المرأة. ولم تنجح تجربة إدخال المرأة في سلك الشرطة كعنصر على الأرض وإنما هي موجودة في الادارة.
أثر أحداث 11 أيلول / سبتمبر 2001
لقد كان للهجمات تلك نوعين مختلفين من النتائج على عمل القطاع الأمني في المغرب : فمن ناحية ، أدت الحرب على الإرهاب إلى زيادة حادة في انتهاكات قوات الأمن وهو ما يمثل تراجعا في عملية إصلاح القطاع الذي كان يجري ببطء. المنطق السائد داخل الأجهزة الأمنية كان هو أن التعذيب يعتبر أقصر وأضمن طريقة لمنع الهجمات الإرهابية. ولكن أحداث 9 / 11 ولّدت أيضا وضع تصورات جديدة ونهجا جديدا يستند أكثر إلى القواعد الدولية، ولا سيما الصادرة من الاتحاد الأوروبي. فالمغرب وقع على اتفاقيات ثنائية ودولية عديدة منها :
أ / اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة في عام 2002 والتي أدت إلى الانخراط في الحرب الدولية على الارهاب أملا في الحصول على مكاسب في ملف لصحراء الغربية. ب / بدأت الحكومة في الضغط على الاتحاد الاوروبي لمنح المغرب وضعية الشريك المتقدم. مما يعني أن الالتزام الكامل للدخول في حرب وقائية على الارهاب اصبح جزءا من النهج الذي تتبعه الحكومة لاستخلاص الفوائد من شركائها الغربيين.
إن "الحرب العالمية على الإرهاب" شجعت على تكثيف النقاش حول الحاجة إلى رصد ممارسات أعضاء قوات الأمن، و ميزانيتها، والفساد بين أعضائها، إلخ. ولقد تم تحقيق بعض التقدم لكنه لا يزال ضعيفا ويمكن ان يزول لأنه غير محمي من القانون والسلطة القضائية.
في جميع أنحاء العالم، هناك تفكير جديد في طور التشكل حول النظام الأمني في إطار هذه الحرب، وقد فرضت قوانين استثنائية في المجال العام. المجتمع المدني بحاجة إلى مواجهة ذلك ولكن منظمات حقوق الإنسان غير مهيئة للتعامل مع التحديات الأمنية والقواعد الجديدة. .
ولقد احتجت مجموعات سياسية مغربية أمام البرلمان على أثر المشاكل الأمنية في الحريات الضئيلة التي تم الحصول عليها أخيراً. وبشكل عام، أحداث 9 / 11 فتحت الطريق لتحقيق تقدم في الاصلاحات.
2 / استراتيجيات للإصلاح :
إن إصلاح القطاع الأمني ليس متعلق فقط بإصلاح المؤسسات الأمنية. فهذا الأمر يتطلب معالجة أكثر شمولا لتحديد ما هي التحديات وما هو المطلوب من القطاع الأمني. جميع المغاربة ، المجتمع المدني وأعضاء القطاع الأمني، متفقون على أن إصلاح قطاع الأمن لا يمكن مناقشته وتنفيذه بمعزل عن الإصلاحات الأخرى.
المغرب بحاجة إلى إعادة هيكلة هذا القطاع وتحديد إطار لتنظيمه بنفس االوقت الذي هو بحاجة إلى إعادة هيكلة المسألة الدينية والاقتصادية والاجتماعية أو قطاع الاستثمار، والتي تحتاج إلى انخراط كافة القطاعات التنفيذية والمجتمع المدني. حتى الآن، لا يلحظ أي برنامج انتخابي للأحزاب السياسية موضوع إصلاح القطاع الأمني.
إن العاملين في القطاع الأمني لا يمكن اعتبارهم كلاعبين فاعلين بنفس طريقة الأحزاب السياسية، أو وسائل الإعلام أو المنظمات غير الحكومية. فليس بإمكانهم التواصل أو إقامة علاقات مع المجتمع.
يجب أن تثار أولاً مسألة من هو المستهدف من قبل الإصلاحات ويجب التوصل إلى اتفاق بشأن الهدف، أي أن الاصلاحات تسعى لاعادة هيكلة الأجهزة وبرامج عملها وممارساتها والتخطيط بغية إعادة تحديد دورها في استجابة لتوقعات المجتمع. هناك اتجاه لمناقشة هذا القطاع بالاستناد إلى المفاهيم القديمة. يجب علينا أن نعترف بالتتغييرات القطاع الأمني ووجود اتجاهات وآراء مختلفة في داخله.
وقد عبر كثير من المشاركين في النقاش عن اتفاقهم على وجود اختلافات كبيرة بين المؤسسات الأمنية المختلفة. ولذلك فمن المهم أن نميز بين الشرطة والأجهزة الأخرى. فالشرطة هي القوة التي تتعامل مع الشعب بشكل مباشر. إلا أنها هيئة ذات موارد محدودة؛ وأفرادهاا يحصلون على رواتب صغيرة في حين أن أجهزة أخرى مجهزة بشكل جيد، وتتمتع بمزايا هامة وليس من مهامها أن تكون في تفاعل مباشر مع السكان.
هيئة الإنصاف والمصالحة
و هي تجربة فريدة من نوعها عالميا لأنها الحالة الوحيدة التي أنشئت فيها مثل هذه اللجنة من دون إسقاط النظام (كما كان الحال في جنوب أفريقيا ، وشيلي ، والأرجنتين). و في كثير من دول أوروبا الشرقية حيث وقع التغيير، لم تشكّل هيئة من هذا القبيل. لقد أنشئت الهيئة في المغرب بمبادرة من الملك للتحقيق في حالات الآلاف من ضحايا القمع (القتلى والمختفين). وهي تجربة أدت إلى إجراء إصلاحات مهمة في قطاع الأمن ولقد ساهمت في وضع المواطن في صلب نظام العمل في القطاع الأمني. وعلى الرغم من وجود عديد من أوجه القصور، وليس أقلها عدم استكمال القيام بالتدابير والوقوف في منتصف الطريق فيما يتعلق بكشف الحقائق، فإن الهيئة امتنعت عمدا عن صياغة الاستنتاجات القاسية للتأكد من ان توصياتها لإصلاح قطاع الأمن ستكون مسموعة.
لقد دفعت منظمات حقوق الإنسان لوضع منظومة متماسكة من القيم، من خلال الربط بين الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون والحوكمة الرشيدة في قطاع الأمن. ولقد كانت هذه الخطوة ضرورية لأن المنجزات التي تحققت حتى الآن في كل من هذه المجالات لا تزال مبعثرة.
من بين التحديات المطروحة، الربط بين حقوق الإنسان الفردية والامن القومي بهدف وضع قواعد في ممارسة الاحتجاز على سبيل المثال. إن تشخيص حصول انتهاك لحقوق الإنسان من قبل السلطات والذي وضعته هيئة الإنصاف والمصالحة بات الآن أمراً معترفاً به رسمياً. ولكن بعض الجماعات داخل المجتمع المدني لم تشعر بالرضى عن نتائج تقرير الهيئة وشكلت جمعية تسمى الحقيقة والإنصاف وذلك لمواصلة الضغط على الحكومة للمضي قدما.
قضايا الحوكمة هي من بين أهم توصيات الهيئة وكذلك جمعية الحقيقة والإنصاف الأكثر راديكالية. انها تشمل تعزيز المحاسبة وضرورة إصدار تقارير وتوفير المعلومات، وشرح الممارسات والأدوات الحالية مما يسمح بالمراقبة. وهذا يتضمن :
• تعزيز رقابة الحكومة على ممارسات القطاع • تعزيز رقابة البرلمان على قطاع الأمن • توثيق كل تدخل لقطاع الأمن • تعزيز الرقابة من قبل السلطة القضائية • إنشاء يجري إطلاعها على المعلومات السرية ويعود لها القرار فيما ينبغي أن تظل سرية ، أوكشف ما ينبغي أن يكون عاماً. • الإصلاح الدستوري لفصل السلطات • مراجعة عملية تقييم وترفيع العاملين في القطاع الأمني
المغربيون لا يتوقعون تغييرات سريعة. وهم يعترفون بوجود ثقافة وممارسات عميقة الجذور داخل القطاع، وأنه ستكون هناك جيوب قوية للمقاومة، ولكن من الضروري للغاية البدء في هذا المسار كما هو حاصل الآن.
التقدم الحاصل
لقد شهد المغرب تشكيل المؤسسات الأمنية في الخمسينات من القرن الماضي، ثم جرى تحديث مقدراتها تحت حكم الحسن الثاني. والمغرب الآن في مرحلة إعادة النظر في المفاهيم لتحديثها. الملك محمد السادس يعطي مؤشرات واضحة على انه يريد تغيير الممارسات داخل القطاع. ولقد وضعت حكومة عبد الرحمن اليوسفي حدا لما كان يعرف ب "الوزارات السيادية"، وبدأت في اصدار تشريعات لحماية الحريات العامة وتم التصويت على قوانين هامة تتعلق بالحريات المدنية والجمعاوية. وكانت هناك محاولة للبحث عن التوازن الصعب بين الحريات والأمن. مع اتساع الحريات، أصبح الفضاء العام أكثر حيوية مع الاحتجاجات الطلابية على وجه الخصوص، والضغوط المتزايدة من المجتمع المدني. ولكن الحقوق والحريات بحاجة للتنظيم والتدوين.
عقد من الانفتاح السياسي إذاً فتح الطريق لنقاش عام حول قطاع الأمن. وتشير تقارير اللجان البرلمانية إلى وجود تغيير حقيقي من خلال اهتمام النواب وتدخلهم في صلب عمل القطاع الأمني. وبشكل تدريجي، بدأ النواب يطرحون أسئلتهم كتابياً وشفهياً حول الميزانية الأمنية. وهناك نقاشات تجري ضمن المؤسسة الأمنية تشير إلى السير نحو فهم أكثر شمولاً للأمن وبأن الوسائل القمعية ليست هي الأسلوب الأنجع. . وهناك مسار صحي قيد التحقق الآن ويتعلق برفع الصبغة الأمنية عن الأمور الأساسية، ونحن في طور الانتقال من مفهوم شمول العمل الأمني لمجمل الأمور إلى تقليصه وتحديده. وتم عكس الرابط بين تحقيق الأمن والحرية، فتعزيز الحريات يجلب مزيداً من الأمن. ومن المفيد الإشارة أيضاً إلى أن تعزيز الموارد المخصصة لهذا القطاع و وسائل الاعلام أضحت أكثر اهتماماً بمساره وبداية بروز مفهوم الأمن الإنساني.
المهنية :
هناك دلائل متزايدة على تعزيز المهنية داخل القطاع. وأعضاء من القطاع يقولون بفخر بأنه يمكن الإحاطة بتنظيم مظاهرة من مليون شخص دون وقوع جريح واحد، مشيرين إلى تحصّل أفراد الأمن على مهارات جديدة في التصرف في الفضاء العام. وفي السجون، لجئت الإدارات إلى تبني مقاربة جديدة لدور السجون والاهتمام بالجانب الوقائي وتحاشي التوترات والصدامات داخل السجون. وقد أدخل تدريس حقوق الإنسان في تكوين العاملين في السجون ووضعت قواعد جديدة لتؤكد على تغير دور السجن من مكان للاعتقال إلى مكان لإعادة التأهيل. وقد أدخلت تحسينات في مجال الرعاية والحماية الطبية. وأصبح الحبس الإنفرادي ممارسة ضئيلة جداً وخاضعة لفحص طبي مسبق. وأعيد النظر بالعقوبات المطبقة على السجناء نتيجة استخدامهم العنف أو استهلاكهم للمخدرات وأخضعت لموافقة لجنة تستند إلى قواعد محددة ومقوننة. لقد دخل موضوع إصلاح القطاع الأمني في النقاش العام. وولادة دولة مدنية متميزة عن القوى المسلحة شكل تقدما كبيراً.
3 / المجتمع المدني وإصلاح القطاع الأمني
دور منظمات حقوق الإنسان
تستخدم منظمات حقوق الإنسان توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة من جهة ومجموعة المواثيق الدولية من جهة أخرى كأدوات رئيسية لتحقيق أهدافها. وقد طوّرالمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان برامج توعية وتثقيف والمنشورات ومنتديات للحوار من أجل تعزيز ثقافة حقوق الإنسان. ويتم اللجوء إلى الاستناد إلى المعايير الدولية، حيث تعرف هذه المنظمات ان الحكومة حساسة لها للغاية، وذلك لاقتراح تحديث وتجانس القوانين الجنائية مع المعايير الدولية، واستخدام الاتفاقيات والمعاهدات الدولية للضغط على الحكومة لوقف التعذيب. وهذه المنظمات نشطة جدا في وضع ميثاق للمواطنة، وتعزيز استقلال السلطة القضائية، والضغط من أجل اصلاح المحكمة الدستورية، وتدريب العاملين في الجهاز القضائي. كل هذه البرامج تهدف الى المساعدة في تنفيذ توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، وتطوير الثقة بين المواطنين.
منظمات حقوق الإنسان تشير إلى الحاجة للحوكمة الرشيدة في القطاع الأمني بهدف تهيئة المجال لمسار مشترك من أجل تعزيز الشفافية والمساءلة والرقابة والسيطرة على قطاع الأمن. والمجتمع المدني يدعو الى حوار وطني حول القضايا الامنية وسير عمل المؤسسات الأمنية. منظمات حقوق الإنسان التي تشغل الحيّز العام إضافة إلى وسائل الإعلام، تنتقد عمل المؤسسات الأمنية في حين القطاع الأمني يظل صامتا. القضايا التي لم تناقش في البرلمان بحاجة إلى حوار معمق.
مازلنا نفتقر إلى التوافق الدولي لقياس الحوكمة في قطاع الأمن. لدينا فقط بعض المؤشرات كنتيجة للحرب على الإرهاب وفضيحة سجن أبو غريب، ولكن ذلك لا ينتج عنه إطاراً متفق عليه. العديد من المشاركين انتقد انتهاكات حقوق الانسان كممارسة روتينية في القطاع الأمني. لفترة طويلة، لم يكن لنشطاء حقوق الإنسان أي تأثيرعلى القطاع الأمني. وبفضل عمل هيئة الإنصاف والمصالحة، أضحى النقاش العام في الآونة الأخيرة متجذراً في إطار حقوق الإنسان.
تغيير العلاقات بين وسائل الإعلام وقطاع الأمن :
في ظل حكومة عبد الرحمن اليوسفي، جرى وضع قوانين متقدمة للغاية فيما يخص الصحافة والجمعيات. وخلال عشر سنوات مضت، تغيرت العلاقة بين قطاع الأمن ووسائل الإعلام.
تطورت وسائل الإعلام نفسها من حالة القطبية الثنائية بين وسائل الاعلام الحكومية مقابل الحزبية، إلى ظهور وسائل إعلام مستقلة. وقبل ذلك كانت حالة من الطلاق بين قطاع الأمن والإعلام الحزبي غير الحكومي لاعتباره معبراً عن معارضة غير شرعية للنظام السائد. مع بداية عهد الوئام، اعتمدت قواعد جديدة وشقت ثقافة حقوق الإنسان طريقها تدريجيا ضمن مؤسسات الدولة. وغيرت الاجهزة الامنية من استراتيجيتها فبدلاً من قمع أو إسكات أو اعتقال الصحفي، فهي تقوم الآن بإرسال بيان يوضح وجهة نظرها بما ورد. من الواضح في المغرب، كما هو الحال في العديد من البلدان الأخرى، فإن قطاع الأمن حريص على الدفاع عن صورته. تتم معاقبة بعض التجاوزات ويفرض عقوبات مخففة ضد أفراد من القطاع الأمني، وهذا يمثل تقدما من حيث المساءلة. في الماضي، كانت الأجهزة الأمنية تزود بعض الصحافيين بالمال لكي لا ينشروا أخباراً مزعجة بخصوص عملها. والآن، تقوم بعض الصحف برشي أفراد من الأمن للحصول على المعلومات.
ويستند أعضاء البرلمان الآن في كثير من الأحيان إلى المعلومات المنشورة في الصحافة لاستجواب وزير الداخلية، وعلى سبيل المثال، حصل ذلك بعد مظاهرة قالت الصحافة أنه قد جرى قمعها بشدة. وقد تم تشكيل لجنة للتحقيق في هذه القضية. ونجم عنها تقرير يشير إلى انتهاكات وعنف. ودعى إلى توقيف المسؤولين وإحالتهم إلى القضاء. مما أدى بوزير الداخلية إلى ممارسة الضغط على اللجنة معتبراً بأن ذلك سيمنع إدارته في المستقبل من اتخاذ تدابير داخلية ضد ممارسات قوات الأمن التابعة لها.
4 / إصلاح القطاع الأمني وجدول الأعمال الأوسع للإصلاح :
يدعو المجتمع المدني لمناقشة الاتفاق على طبيعة التهديدات من أجل بناء توافق في الآراء قبل وضع رؤية شاملة واستراتيجية. المشكلة هي ماذا يريد المجتمع حمايته؟ هذا الأمر أكثر وضوحاً في الديمقراطيات منه في الأنظمة الاستبدادية، حيث التمييز بين حماية الأمن القومي وحماية النظام الاستبدادي هو واضح، والأمن القومي لا يتقاطع مع الأمن المجتمعي (أمن أعضائها، والأمن الإنساني). حتى إذا كان هناك توافق في الآراء بشأن الأمن القومي، إلا أن الكثيرين يعتقدون أن المحافظة على النظام التسلطي يضعف الأمن القومي وعلى المواطنين دفع الثمن.
مقاربة إصلاح القطاع الأمني حتى الآن تركز على أفراد ينتهكون حقوق الإنسان ولكنها لا تذهب أبعد من ذلك في التشكيك في أسلوب عمل مختلف المؤسسات (بما في ذلك القضاء والبرلمان). يجب التمييز بين مسار عملية إعادة الهيكلة العميقة والتراكمية على المدى المتوسط والمدى الطويل، والتحضر للتغيرات. من منظور منظمات المجتمع المدني، الإصلاحات ليست كافية لأنها لا تزال عملية داخلية خطيرة دون التشاور الجدي مع المجتمع. والربط بين إصلاح قطاع الأمن والقضايا السياسية الأوسع نطاقا غائب. ومازال المواطنون يفتقدون لفهم واضح لما يميز القطاع الأمني من الميدان العسكري.
في معظم بلدان المنطقة، من الصعب أن نتصور أن قطاع الأمن سيتخلى بهدوء عن سلطته ويقبل تحولاً كاملاً في دوره. في عملية تغيير توافقي، السؤال هو ما إذا كان يمكن الوصول إلى إصلاح وديمقراطية من دون الاصطدام بطريق مسدود. وأقوى مقاومة قد تأتي اليوم من المصالح الاقتصادية والمالية والفساد لدى بعض مسؤولي الأجهزة. منظمة الشفافية الدولية تشير إلى أن القضاء والإدارة المحلية هما الأكثر فساداً. بالتالي، كيف يمكن تطبيق سيادة القانون في القطاع الأمني دون تحقيق تقدم في مجال مكافحة الفساد داخل السلطة القضائية؟ لمحاربة الفساد، لا يوجد سوى تغيير في المناخ العام لكي تتم معالجة الفساد داخل الأجهزة الأمنية.
المجتمع غير مجهز للتعامل مع هذه القضايا كما كانت الحال عليه عند إثارة مسألة انتهاكات حقوق الإنسان من خلال بعض وسائل الاعلام و الاعتماد على نشاط منظمات حقوق الإنسان. سيحتاج المجتمع إلى تطوير الأدوات المناسبة للرصد ولممارسة الضغط. بالتالي، فتسلسل المراحل يبين أنه من الممكن تحقيق بعض التقدم في إصلاح قطاع الأمن خصوصاً فيما يخص حقوق الإنسان، ولكن، يجب أن يشمل الإصلاح مجالات أخرى مما يؤدي إلى التقدم بخطوات كبيرة إلى الأمام.
5 / العامل الخارجي :
التقدم المحرز في إصلاح قطاع الأمن هو مرتبط أساسا برغبة النظام الملكي ليكون جزءا من الإجماع الدولي حول حقوق الإنسان، وكذلك، فهو نتاج للضغط الحاصل من طرف المجتمع المدني. يعتبر إصرار الخارج على ملف إصلاح القطاع الأمني وسيلة تسمح للمجتمع بالتزود بأدوات تساعده في معالجة القضية وفتح النقاش العام حولها.
من بين هذه الأدوات، البرامج التدريبية في مجال حقوق الإنسان ونشر ثقافة حقوق الإنسان و المساءلة والتي تستهدف مختلف القطاعات، وليس فقط قطاع الأمن. (القضاء والقطاع العام...). ومن الواضح أن هذه العناصر قد دخلت في خطاب ممثلي القطاع الأمني الذين فهموا بأنهم بحاجة إلى الإشارة إليها بوصفها معايير لكسب الثقة. وبالنسبة لمنظمات المجتمع المدني، كان التحدي يتمثل في كيفية إقناع أعضاء القطاع الأمني والآخرين في الانضمام الى الزخم العام نحو الاصلاح واقناعهم بأننا نعيش في عالم مفتوح.
تحديات الهجرة والتهريب لعبت دورا في رفع مستوى الوعي داخل القطاع الأمني حول العامل الدولي. وتعترف منظمات المجتمع المدني بأن انخراط المغرب في عملية إصلاح قطاع الأمن هو نتيجة لتقاطعات معقدة بين جدولي الأعمال المحلي والدولي. والتحدي هو القدرة على القيام بتطوير الأجندة الوطنية وإلا، فإن الأجندة الخارجية ستكون أمراً واقعاً من دون أن تتم مناقشة الإصلاحات داخل المجتمع. ويعتبرالنقاش حول هذا الموضوع ليس سهلاً لأنه يجري بين الفاعلين الخارجيين الذين يعرفون أهدافهم والأطراف المحلية التي لديها القليل من المعرفة وعدم القدرة على إسماع صوتها.
من وجهة نظر القطاع، "المهمة الأساسية لقطاع الأمن ضمان الأمن ضد التهديدات، وليس ارضاء الناشطين حقوق الإنسان"، وأن التغيير "في المغرب يعتمد على إرادة الملك"؛ وأنه من اجل "الانخراط في إصلاح قطاع الأمن، هناك شروط مطلوب تحققها وهي : السيطرة الكاملة للقطاع على الاستقرار الداخلي والتنظيم الجيد للمؤسسات لكي يحصل الإصلاح بشكل منتظم. وفي النهاية، يعتبر ممثلوا القطاع بأن المغرب في علاقة ديناميكية واعدة مع الاتحاد الأوروبي : "ونحن نظهر للإتحاد بأننا نتلائم تدريجياً مع معاييره".


