الجزيرة توك21/9/2009

 

منذ 100عام، وتحديدا في 13 نوفمبر 1909 صدر العدد الأول من جريدة "حمص"، لتكون أقدم جريدة مستمرة في الصدور في سوريا.

هذه الجريدة الصادرة عن طائفة الروم الأرثوذكس في حمص، لم تكن يومًا ما ناطقة باسم هذه الطائفة فحسب، بل كان لها دور هام في توثيق أخبار الثوار والمجاهدين الذين طالبوا باستقلال سوريا عن السلطنة العثمانية ولاحقا جلاء المستعمر الفرنسي عن الأراضي السورية.

ولم تظهر الطبعة الأولى من الجريدة إلا بوصول مطبعة خاصة بها تبرع بها مغترب يدعى بشارة محرداوي بطلب من مطران الطائفة آنذاك أثناسيوس الذي كان رجل علم وثقافة.

وصول المطبعة التي بلغ ثمنها حوالي 1200 ليرة انكليزية (والتي كانت تدار بشكل يدوي عبر رجل يجلس بأعلاها ويدير العجلات على مبدأ الدراجة الهوائية).. كان يومًا مشهودًا بحمص إذ خرج الأهالي إلى محطة القطار وأحضروها محمولة على الأيدي بالهتاف الزغاريد، لتكون أول مطبعة تصل إلى المدينة واعتبر ذلك فتحًا صحفيا كبيرا، وسميت الجريدة على اسم المدينة "حمص"، كي لا تكون منغلقة على طائفة واحدة بل مجالا رحبا لجميع أبناء المدينة بمللهم وعقائدهم كما جاء في المحضر الأول لمجلس أمناء تحرير الجريدة برئاسة المحرر اللبناني قسطنطين يني.

إلى جانب الهدف الثقافي من إصدار الجريدة وإيصال أخبار البلد إلى المغتربين، اهتم القائمون عليها بالجانب الاقتصادي فمن أرباحها فُتحت مدراس وجمعيات خيرية.

جاء في افتتاحية العدد الأول من جريدة "حمص" كما تحدث المؤرخ نهاد سمعان وعضو هيئة التحرير الحالي: "جريدة أدبية اجتماعية إخبارية لا تتعرض لمسّ عقيدة أو إحساس أحد، ناشرة لكل ما يؤول لمجد حمص ونجاحها وإصلاح أمورها بالانتقاد الصحيح المبني على أساس الإخلاص. ناقلة أخبار حمص إلى أبناءها في المهاجر".

فتحت الجريدة الباب عند ظهورها لجميع الأقلام المتميزة في المدينة، منهم المناضل عبد الحميد الزهرواي وكان لها مراسلون معتمدون في بعض المدن العربية والعالمية مثل الشاعر نسيب عريضة مراسل أميركا والشهيد رفيق رزق سلوم ونقولا زيادة مراسل الناصرة وكتب فيها عدد من الكتاب مثل عبد المسيح حداد عضو الرابطة القلميّة في المهجر وجرجس همّام وداوود شكري.

كان لخط الجريدة الوطني الإصلاحي دوي كبير في المدينة، مما جعلها على صدام دائم مع حكام وولاة حمص، التي كانت تتبع إلى حماة حسب التقسيم العثماني آنذاك، وكانت عندما تنشر خبرًا مثل هروب الشاويش من إحدى الحارات المكلف بحارستها أو تقصير في واجب البوليس كانت تتعرض للمسائلة القانونية ويرفع ضد مسئوليها دعوات في المحاكم، إضافة لنشرها أخبار الثوار والمجاهدين مثل المجاهد نظير نشيواتي كانت الجريدة حضانة للرأي الآخر وتنشر خطابات التهدئة من الحكومة مثل مقالات فيضي الأتاسي لتكون مثالا للمهنية الصحفية منذ نشوئها.

التوقف في الحربين

الجريدة كانت تصدر يوم السبت بسبب العطلة كي يعلم الجميع بواجبات التعازي والأفراح يوم الأحد، وكان ثمنها حين صدورها "مجيدة" ونصف بحمص، ومنذ صدورها وحتى اليوم لم تبع في السوق، بل تتوفر فقط لمشتركيها، كما ساهمت مطبعتها بطباعة العديد من الدفاتر والكتب المدرسية وصحف أخرى، أصبحت لاحقا منافسة لجريدة "حمص" مثل "ضاعت الطاسة" و"جريدة "الإخاء" الحموية.

يشير الباحث سمعان أن الجريدة توقفت عن الصدور في 5/12/1914، بسبب الحرب العالمية الأولى "فلم يعد يصل الحبر وفُقدت كل لوازم الطباعة من السوق، ثم عادت الجريدة للظهور في حزيران عام 1920 تحت مسؤولية الخوري عيسى أسعد والأستاذ محرز سلامة.

ولم تكن الحرب العالمية الثانية السبب الوحيد في توقفها الثاني في 30/9/1933،بل بعض المشاكل في الطائفة الأرثوذكسية بعد وفاة المطران المؤسس، وانقسام الطائفة جعل الجريدة في سبات عميق، حتى 18/3/1950 حيث عادت للظهور بعد أن تركت فراغا كبيرا في نفوس المغتربين. إضافة إلى توقف دام لشهور أوائل الستينات عند صدور قانون المطبوعات في البلاد توقفت على إثره الصحف الخاصة، لكن وزير الثقافة صلاح البيطار آنذاك استجاب لطلب أحد المغتربين باستثناء الجريدة فعادت للظهور.

يقتصر دور الجريدة الحالي كما يخبرنا مدير تحريرها منذ عام 1969 فؤاد أحوش على نقل أخبار المحافظة في الصفحة الثالثة ونشر المراسيم التي تهم المغتربين، إضافة لأخبار الأعراس والوفيات والمشاركات الأدبية الإبداعية والدراسات، وهي تصدر يوم الخميس بما أن الجمعة هو يوم العطلة الأول في سوريا، وقد استبدلت مطبعتها ابتداء من عام 2001 لأنها لم تعد تفي بالغرض فحرفها وخطوطها مركبة، وتم جلب طابعة جديدة بنفس الطريقة عن طريق متبرع وتوزع الجريدة حاليا على حوالي 1500 مشترك في حمص والمهجر.

تلاميذ ومحررون

قبل ظهور "حمص" كانت الصحف تكتب بخط اليد على شكل مخطوطات، يقوم كاتبها بتأجيرها واستردادها ويورد تعليقا بنهايتها يقول" ملعون من يضيف أو يحذف كلمة أو من لا يعيدها"، مع وصول أول مطبعة لحمص توالت الصحف على الظهور ففي عام 1910 صدرت صحيفة هزلية تدعى" ضاعت الطاسة"، وعدد من الصحف السياسية مثل "صدى سورية" و "دليل حمص"، كما ظهرت عام 1911 جريدة علمية اسمها "المدرسة" ، صدرت مؤقتا بشكل نصف شهري بالغتين العربية و التركية و اللافت أن محرري "الجريدة" كانوا من تلاميذ المدرسة الإعدادية في حمص.

كما صدرت بعض الصحف اليومية الهامّة كجريدة "القافلة" وهي يومية سياسية صاحب امتيازها خليل الدروبي 1951. وجريدة "الفجر" التي أصبحت من أهم الصحف الصادرة في الخمسينيات حيث تعاقب على إدارتها و تحريرها أهم صحفيي حمص، و من الصحف الهامّة أيضاً "العروبة" التي صدرت أول مرة عام 1955 وتعرضت لبعض التوقفات ثم في عام 1965 آلت مكاتبها إلى مؤسسة الوحدة للطباعة و النشر. وأصبحت الصحيفة الرسمية الأولى في المدينة.